ابن أبي الحديد
157
شرح نهج البلاغة
عصى في الأرض لا من عثمان ، بل من ولاته وأمرائه وأهله ، وذهب بينهم بحق الله وضرب الجور سرادقه بولايتهم ، وأمرهم على البر والفاجر ، والمقيم والظاعن ، فشاع المنكر ، وفقد المعروف . يبقى ( 1 ) أن يقال : هب أن الامر كما تأولت فهؤلاء الذين غضبوا لله إلى ماذا آل أمرهم ؟ أليس الامر آل ( 2 ) إلى أنهم قطعوا المسافة من مصر إلى المدينة فقتلوا عثمان ! فلا تعدو حالهم أمرين ، إلا أن يكونوا أطاعوا الله بقتله فيكون عثمان عاصيا مستحقا للقتل أو يكونوا أسخطوا الله تعالى بقتله فعثمان إذا على حق ، وهم الفساق العصاة فكيف يجوز أن يبجلهم أو يخاطبهم خطاب الصالحين ! يمكن أن يجاب عن ذلك بأنهم غضبوا لله ، وجاءوا من مصر وأنكروا على عثمان تأميره الامراء الفساق ، وحصروه في داره طلبا أن يدفع إليهم مروان ليحبسوه ، أو يؤدبوه على ما كتبه في أمرهم فلما حصر طمع فيه مبغضوه وأعداؤه من أهل المدينة وغيرها ، وصار معظم الناس إلبا عليه ، وقل عدد المصريين بالنسبة إلى ما اجتمع من الناس على حصره ومطالبته بخلع نفسه ، وتسليم مروان وغيره من بنى أمية إليهم ، وعزل عماله ، والاستبدال بهم ، ولم يكونوا حينئذ يطلبون نفسه ، ولكن قوما منهم ومن غيرهم تسوروا داره ، فرماهم بعض عبيده بالسهام فجرح بعضهم ، فقادت الضرورة إلى النزول والإحاطة به ، وتسرع إليه واحد منهم فقتله . ثم إن ذلك القاتل فقتل . في الوقت ، وقد ذكرنا ذلك فيما تقدم ، وشرحناه ، فلا يلزم من فسق ذلك القاتل وعصيانه أن يفسق الباقون ، لأنهم ما أنكروا إلا المنكر ، وأما القتل فلم يقع منهم ، لا راموه ولا أرادوه ، فجاز أن يقال : إنهم غضبوا لله ، وأن يثنى عليهم ويمدحهم ثم وصف الأشتر بما وصفه به ، ومثل قوله : ( لا ينام أيام الخوف ) قولهم : ( لا ينام ليلة يخاف ، ولا يشبع ليلة يضاف ) وقال :
--> ( 1 ) كذا في ا ، وفى ب : ( ينبغي ) . ( 2 ) ساقطة من ب .